بقلم: الشيخ جابر بغدادي
حينَ يكونُ السَّعفُ والجريد سقفاً والرضا قصراً: كيف غابَت السعادة عن بيوتنا الفارهة؟
أثرُ الرضا: حين استحالَ السعفُ نوراً والضيقُ سعة
لو قُيِّر لنا أن نطالع هذه الرسالة النبوية العظيمة بقلوبنا، لهرعنا إلى خزائن بيوتنا "دواليبنا" نفتحها ونحن نلهج بعبارات الحمد والثناء؛ فالسعادة الحقيقية هي أن يعيش المرء مع معطيات حياته بحبٍ ورضا. لننظر في حجرات النبي ﷺ؛ تلك الحجرات التي لم يتجاوز عرض الواحدة منها خمسة أمتار، وطولها ثلاثة أمتار ونصف، وقد شُيدت جميعها من الجريد -سعف النخيل- والطين. بيد أن هذا البيت المتواضع هو الذي ملأ الدنيا بأسرها علماً وحكمة، فقد كان مكسواً بالرضا، يضوع بالروحانية والاكتفاء بذات رسول الله ﷺ.
إن هؤلاء القوم كانوا راضين حق الرضا، والرضا مقامٌ أسمى من الزهد؛ فبينما الزهد هو ترك الدنيا رغبةً في الآخرة، فإن الرضا هو "التلذذ بالمعطيات" ما دامت من عند الله سبحانه. تروي السيدة عائشة -رضي الله عنها- فتقول: "كنتُ أنامُ في مسجده" –وتعني في البقعة التي يسجد فيها حين يصلي النوافل في بيته– فكان ﷺ إذا أراد السجود "غمزني".
ألا فانظروا إلى دلالة هذا المشهد! إنه يصور رجلاً مع زوجته في أصفى لحظاتهم؛ حيث تتجلى الصلاة وفي طياتها مودةٌ ورحمة، بل قل "رومانسية" بمفهومنا المعاصر. أيُّ رضا هذا؟! وأيُّ سعادة غمرت قلوبهم وهم في حضرة العبادة؟! كان إذا سجد غمزها -بأبي هو وأمي- فتقبض رجلها ليتم سجوده، فإذا قام بسطتها ثانيةً (1). إن هذه الحجرة الضيقة، حين يمتزج فيها الرضا باليقين، قادرةٌ على صياغة حياة سعيدة مع الله.
ولعل الكثيرين اليوم في أمسِّ الحاجة لإعادة قراءة هذا المشهد وتصور الحياة في سبيل الله؛ إذ ثمة فئاتٌ غفيرة لا تجد للرضا سبيلاً إلى حياتها. وأحسبُ أن حجرة المصطفى ﷺ كانت في عيوننا أصغر بكثير من تلك الحجرة "المهملة" في بيوتنا التي لا نرضى عنها، أو أصغر من "حجرة الأطفال" التي يشتعل الخلاف حول تأثيثها قبل أن يُرزق الأبوان بالأطفال أصلاً! فيا ويحكم، يسروا على الناس ولا تعسروا.
لقد وصف الخالق سبحانه هذا الرضا وهذا الاكتفاء بحضرة النبي ﷺ بأنه من أعلى مقامات الإحسان، فقال عز وجل: {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} (2).
وتأملوا معي هندسة ذلك البيت؛ فخلف حجرة السيدة فاطمة تقع حجرة السيدة أم سلمة، ويفصل بينهما زقاق. ومن فرط حشمتها، أرادت ستنا أم سلمة أن تستر بيتها بسترٍ جديد حين كان النبي ﷺ في إحدى غزواته، فلما عاد ورآه قال لها قولاً يستحث فيه الزهد في طول الأمل. ولا يعني ذلك أن النبي ﷺ لا يحب النظافة أو التجمل، فحاشاه، إذ لم يُعهد عن تلك الحجرات إلا الطهر والجمال المصبوغ بالرضا. هو لم يلمها لأنها سترت بيتها، فالمرأة مأمورة بتعمير بيتها وأن تسكن أجمل ما يمكن، لكنه أراد أن ينتزع من قلبها "طول الأمل" فقال لها: "يا أمَّ سلمةَ، إنَّ الأمرَ أعجلُ من ذلك" (3).
في هذا المصلى الصغير، كان ﷺ يقوم الليل حتى تتورم قدماه (4). ولم يكن يفعل ذلك طلباً لدارٍ فسيحة أو عرضٍ من الدنيا، بل حين سألته السيدة عائشة: "يا رسول الله، أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟" أجابها بلسان الشاكر الراضي: "أفلا أكون عبداً شكوراً؟" (5).
ليت كل إنسان يتدبر هذا؛ فالمكان الذي كان يصلي فيه النبي ﷺ ليكون شاكراً، أصغر بكثير من زاوية منسية في بيوتنا التي نتذمر منها. إننا لم نبنِ البيوت إلا لنصلي ونتستر ونعبد الله في مقام الشكر. ولو استوعبنا هذه الرسالة، لفتحنا نوافذنا التي تغمرها الشمس ونحن نقول "الحمد لله". إن تلك الحجرات التي قد تشبه في ضيقها الحجر المهملة في ديارنا، هي التي انبلج منها نور الشكر للكون أجمع، وفيها خاطب الوحيُ النبيَّ ﷺ.
يصف لنا التابعي الجليل الحسن البصري -رضي الله عنه- ذلك المشهد قائلاً: "دخلتُ بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان، فكنتُ أنال سقفها بيدي، وكان سقفها من الجريد" (6). فهل لنا بعد ذلك إلا أن نرضى؟
المراجع والتوثيق:
(1) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب التطوع خلف المرأة، حديث رقم (513): عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنتُ أنامُ بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضتُ رجلي، فإذا قام بسطتهما".
(2) القرآن الكريم: سورة الأحزاب، الآية رقم (29).
(3) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في بناء البيت، حديث رقم (5237) وصححه الألباني: عن أم سلمة رضي الله عنها أنها رفعت بيتاً لها بِلَبِنٍ، فمرَّ النبي ﷺ فقال: "ما هذا؟" قالت: أردتُ أن أكفَّ بصر الناس، فقال: "يا أمَّ سلمة، إنَّ الأمرَ أعجلُ من ذلك".
(4) صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب قيام النبي ﷺ الليل حتى ترم قدماه، حديث رقم (1130).
(5) صحيح البخاري، حديث رقم (4837) و صحيح مسلم، حديث رقم (2819).
(6) المصدر:
كتاب: الأدب المفرد
المؤلف: الإمام محمد بن إسماعيل البخاري
رقم الحديث/الأثر: (450)
نص الأثر: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: "لَقَدْ دَخَلْتُ حُجُرَاتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ هُدِمَتْ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِذَا هِيَ مِنْ جَرِيدٍ مَطِينٍ بِالطِّينِ، لَيْسَ لَهَا سُتُورٌ". (وهناك رواية أخرى عن الحسن البصري ذكرها ابن سعد في الطبقات الكبرى، الطبقة الثانية، ج1 ص 499، قال فيها: "كنتُ أدخلُ بيوت أزواج النبي ﷺ وأنا غلام مراهق، وأنالُ السقف بيدي").
