Islamic geometric pattern background
العودة إلى المقالات
مرافئ الستر وأنوار القبول: كيف تشهد المنة الإلهية في طاعتك وتقصيرك؟
مرافئ الستر وأنوار القبول: كيف تشهد المنة الإلهية في طاعتك وتقصيرك؟
تزكية وإيمانيات ( أدب السلوك)

بقلم: الشيخ جابر بغدادي

مرافئ الستر وأنوار القبول: كيف تشهد المنة الإلهية في طاعتك وتقصيرك؟

"هل يمنعك خجلُك من ذنوبك عن طرق باب القبول؟ انغمس في رحاب الستر الإلهي لتدرك أن أدب العبودية يقتضي شهود المنة في كل نبضة، بعيداً عن عُجب الطاعة. في هذا المقال، نستلهم من فيض الشيخ جابر بغدادي وحكمة العارفين، كيف تكون التوبة والقبول منحةً ربانية لا كسباً بشرياً، وكيف تُبحر في ظلال الحكم العطائية لتصل إلى ربك بضعفك لا بقوتك." #الستر_الإلهي #أدب_العبودية #جابر_بغدادي #شهود_المنة #التوبة_والقبول #الحكم_العطائية #تزكية_النفوس #أسرار_الوصول #حى_على_الوداد

مرافئ الستر وأنوار القبول: كيف تشهد المنة الإلهية في طاعتك وتقصيرك؟

يا بني، ألا ليتك تدرك أن توهمك بأن بلوغ حضرة الحق سبحانه موقوفٌ على فراغك من عيوبك وتوبتك من ذنوبك، هو عينُ الدليل على أنك لن تصل إليه أبداً!

وكيف تصل وأنت لا تملك لنفسك توبة؟ إن تلك التوبة التي تدب في أوصال قلبك، وذلك المقت الذي تشعر به تجاه المعصية، ما هو إلا مادة تجلي اسم الله "التواب" عليك؛ فهو الذي تعطف عليك أولاً فتبت. ألم يقل الحق في محكم تنزيله: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً} [1].

فتأمل ملياً في هذا "الرشاد"؛ إنه "هداية التفضل" المحضة، لا هي بجهدك ولا بحولك. فإذا ما رُفع مدد الفضل، فاعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وحولانه سبحانه بينك وبين قلبك إنما هو حماية لك من خاطر نفسك الأمارة.

إن الشأن كل الشأن في "الستر"؛ فلو أرادك الله لنفسه، لستر وصفك بوصفه، وداوى ضعفك بعطفه. وما نحن في حقيقتنا إلا جماعة من الخلق مُدثرون في لفائف من الستر الإلهي، وما قبولنا بين العباد إلا بمقدار ما نملكه من رصيد ذلك الستر.

بيد أنك قد تظن واهماً أن الوصول إلى الله يستلزم أن تكون ولياً من أولياء الله القانتين بجهدك الشخصي! كلا والله، بل هؤلاء الأولياء ما صاروا أولياء إلا لأن الله تحنن عليهم، فقبلهم على ما فيهم من عيوب، ثم كسا تلك العيوب بستر "الرحمانية"، وعطف عليها بوصف "الربوبية"، ثم أجلاها بأنوار وإشراقات "صمدانية" من عنده هو سبحانه.

لقد أحبهم فسترهم، فإذا لم تنتبه لهذا الكرم وتتأدب مع هذا الفضل، فإنه سبحانه سيردك إلى طينتك الأولى؛ وحينها سينضح الطين عليك بآثاره، وتشتغل فيك أوصاف البشرية من جديد. إن شأننا معه أننا إذا رُفعت عنا يد العناية صرنا "طيناً"، وإذا مُددنا بأوصاف الحق صرنا "نوراً" و "روحاً".

فالوصول إليه سبحانه إنما يكون منه هو، لا منك أنت، ولذلك كان مقتضى الحال هو الشكر، كما قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [2]. فاجعلوا "الحمد لله" ديدنكم، فهي التي تملأ الميزان.

هل لنا أن نتساءل: ما بال لسانك ينقبض عن الدعاء عند المعصية، ويسترسل في الطلب والرجاء بعد الطاعة؟

إن هذا ليس إلا دليلاً على اعتمادك على عملك لا على ربك! كأنك تمنُّ بفعلك، وتستشعر أن لك حقاً في العطاء. كيف تطلب أجراً على عمل هو الذي هداك إليه؟ أم كيف ترى لنفسك إحساناً في فضل هو المتصدق به عليك؟ واقرأوا إن شئتم قول الله عز وجل: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [3].

إن الأدب مع الله هو الركن الركين وشرط التوفيق والقبول؛ فربما رُزق العبد "الطاعة" وحُرم فيها "القبول" لعُجبه بها، وربما ابتُلي بالمعصية فكانت هي "سر الوصول" لانكساره وافتقاره بعدها. إن الطاعة التي تجعلك ترى نفسك ستحجبك حتماً عن مولاك.

فانتبه يا مريد، ودع عنك التلفت، فالحق سبحانه يقول لك بلسان حاله:

أنا القريبُ ولكن دع التلفتَ ترى.. دع ما سوانا ترانا لا تنشغل بالورى واشهد مليكك لما وفاك حين اشترى

لا تنشغل بالخلق (بالورى)، واشهد الملك الحقيقي الذي اشترى منك نفسك بماله وفضله. اجعل حياتك كلها شكراً؛ صلاتك، زكاتك، عبادتك، وحتى دعاءك. ولأجل هذا قال النبي ﷺ: «أفضل الدعاء الحمد لله» [4]؛ لأن الحمد إقرار بأن المنة لله وحده.

إن العبودية الحقة تدور في محاور أربعة:

شكر النعمة.

حفظ الحرمة.

شهود المنة.

السجود للعظمة.

أن تشكر الله فلا تجحد، وأن تعبد الله فلا تبعد، وأن تذكر الله فلا تنسى.. هذا هو طريق الوصال.

المصادر والمراجع:

[1] سورة الحجرات، الآيات: 7-8.

[2] سورة سبأ، الآية: 13.

[3] سورة الصافات، الآية: 96.

[4] الحديث الشريف: أخرجه الترمذي في سننه (رقم 3383)، وابن ماجه (رقم 3800) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، بلفظ: «أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله»، وحسنه الترمذي وصححه الحاكم والذهبي.

[5] اقتباسات الفيديو: اشتمل النص على معانٍ من "الحكم العطائية" للإمام ابن عطاء الله السكندري، ومنها الحكمة التي تقول: "ارادتك الوصول إليه بعد خلوصك من عيبك وتوبتك من ذنوبك دليل أنك لن تصل إليه أبداً"، والحكمة التي تشير إلى شهود المنة في الطاعة.