Islamic geometric pattern background
العودة إلى المقالات
كيف تشحذ همتك الضعيفة في ذكر الله: رحلة من الغفلة إلى أنوار المشاهدة
كيف تشحذ همتك الضعيفة في ذكر الله: رحلة من الغفلة إلى أنوار المشاهدة
تزكية النفس / وصايا الطريق إلى الله 14 دقيقة قراءة

بقلم: الشيخ جابر بغدادي

كيف تشحذ همتك الضعيفة في ذكر الله: رحلة من الغفلة إلى أنوار المشاهدة

هل تشعر بثقل في لسانك عن الذكر؟ اكتشف في هذا المقال أسرار العارفين في تحويل العبادة من تكليف إلى تشريف. نبحر معك في لطائف المحبة الإلهية، وكيف يستنير القلب بنور المشيئة، لننتقل من سياط الامتحان إلى رحاب الإحسان، حيث الروح تهيم في ذكر مولاها بلا انقطاع

كيف تشحذ همتك الضعيفة في ذكر الله: رحلة من الغفلة إلى أنوار المشاهدة

كيف تشحذ همتك الضعيفة في ذكر الله: رحلة من الغفلة إلى أنوار المشاهدة

الحمد لله رب العالمين، المتفضِّل على عباده بالأذكار والأنوار؛ فسبقَ بعضهم بالأنوار فذكروا، ولحق بعضهم بالأذكار فنُوِّروا. ألا وإن للناس في هذا المقام أحوالاً؛ فقومٌ سبقت أنوارهم أذكارهم، فلما استنارت قلوبهم ما وسعهم إلا أنهم ذكروا، فلما ذَكَروا ذُكِروا، فلما ذُكِروا حضروا، فلما حضروا قَرُبوا، فلما قَرُبوا حُدِّثوا، فلما حُدِّثوا أُونِسوا، فلما أُونِسوا أُورِثوا، فلما أُورِثوا أُجْلِسوا، فلما أُجْلِسوا جَلَسوا، فلما جَلَسوا شَهِدوا، فلما شَهِدوا طابوا، فلما طابوا أنابوا، فلما أنابوا قُبِلوا، فلما قُبِلوا غابوا، فلما غابوا صاروا من خيار عباد الله الذين إذا رُؤوا ذُكر الله [1].

وقومٌ لحقت أذكارهم أنوارهم، ألا ليتنا نكون منهم، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم في زمرتهم. وفي هذا المعنى البديع، كان سيدنا أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه يناجي ربه قائلاً: "اللهم إنها عوائد كرامتك أجريتها على ألسنتنا، لنعبدك بها على أقدارنا وليس على قدرك". وما هذا المقام العظيم إلا محض كرامةٍ وتكرُّمٍ من الله تعالى؛ "فاللهم إنها محض كرامتك أجريتها على ألسنتنا، فإنه قد كَلَّت الألسن عن إدراك وصف صفتك، وكَلَّت العقول عن إدراك كُنه معرفتك، وكيف يُوصف كُنه صفتك يا رب وأنت الله جل جلالك! "

وإلا، فكيف لنا أن نفهم قول الحق عز وجل: {فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ} [عبس: 12]؟ إن هذه المشيئة الإلهية ما هي إلا نور، إذا صادف قلب العبد، فلا يسع ذلك العبد إلا أن يفيض بالأذكار. وما الذكر يا عباد الله إلا ترجمانُ نورٍ قد حلّ في القلب، وما هو إلا ترجمان لنورٍ استودعه الله في قلوب عباده الصالحين. فمن حلَّ في قلبه نور الله، لا يسع لسانه إلا أن يترجم ما رأته بصيرته.

ولذلك، أراد الله سبحانه أن يبيّن خطر الغفلة وعاقبتها الوخيمة، فقال جل ثناؤه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا} [طه: 124]. وهل لنا أن نتساءل: لِمَ كانت معيشتهم ضنكاً؟ لأنهم حُرموا من زمرة {الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، فيحيا أحدهم في نكدٍ وكدر، ليلقى عقاب الغفلة الأعظم، وهو العمى يوم القيامة: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ}. يا له من خطرٍ داهم لتلك الغفلة! فيقف العبد منادياً: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} [طه: 125]؟ لِمَ يا رب؟ فيأتيه الرد القاطع: {قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا} - أي أنوارنا وأسرارنا وتجلياتنا - {فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ} [طه: 126].

#أنوار المشيئة وتيسير أسباب الذكر

ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [المدثر: 56]. ولعمري، لما قرأتُ هذه الآية الكريمة، مسَّت أوتار قلبي مَساسَ المحبة، فعلمتُ منها يقيناً أن الله إذا أحب عبداً، هيَّمَهُ في ذكره.

ولذا، حينما جاء الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاكياً حاله، قائلاً: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ.. فما كان من سيدنا النبي المعلم إلا أن بسّط له الأمر غاية التبسيط، فقال له في توجيهٍ نبويٍ كريم: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله» (أخرجه الترمذي في سننه وحسنه).

ألا ترى معي هذا المشهد؟ لقد كان هذا الرجل من الذين سبقت أذكارهم أنوارهم. فسيدنا النبي يبين له الأمر بلطف قائلاً ما معناه: ما دمت تعبد بعبادة التكليف، وتشعر بالمشقة، وتجد نفسك متعباً غير قادر على المواصلة، فهل تروم أن تحرك عوالم جسدك لتعمل من تلقاء نفسها في طاعة الله دون عناء؟ قال: بلى. قال: حرّكها بالذكر! لأنك، وبلا ريب، كلما تذكر تُذَكَر، وكلما تُذَكَر تُنَور، وكلما تُنَور تغيب، وكلما تغيب تحضر، وكلما تحضر تشاهد، وكلما تشاهد، لا يسعك حينها إلا المودة والمحبة والهيام، والإسطلام في الحضرة الربانية العلية. فهل أدركت هذا المعنى؟ هؤلاء هم أهل المجاهدة، أهل الحجاب، الذين ذكروا فاستناروا.

بيد أن هناك صنفاً ثانياً! نعم، وقد وصفهم ربنا جل وعلا بقوله: {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}. فهل لهم إرادة مستقلة في الذكر؟ كلا، بل أراد الله لهم أن يُذكَروا، فسبقهم بالأنوار، واستنارت قلوبهم بنور المشيئة الإلهية، فما من قلبٍ نُودي إلا ترجم بالذكر، وما من عبدٍ نُودي إلا ترجم بالمودة.

ولذلك ينشد قائلهم في هذا المقام معبراً عن فيض النور في قلبه [2]:

أنا الوجدُ حرَّكني ولم أستنصر *** شمسُ الحقيقة أشرقت في هيكلي

فتناثر البنيان تيهاً ومظهرُ

الوجد حركنى: الوجد الذي يحركك ليس نابعاً من ذاتك، بل هو من عنده سبحانه؛ هو الذي أفاض على مَساس قلبك وشَغاف وجدانك نوراً من أنواره، وساعتها لا يستطيع اللسان قط أن يغفل عن ذكر الله. ولهذا كان سيدي علي زين العابدين رضي الله عنه يدعو بضراعة قائلاً: "اللهم اجعل ذكري بالعينين بكاءً".

#بصيرة القلوب.. حكاية من تراث العارفين

ولنا في سير الصالحين عبرة وموعظة؛ فقد رُوي أن سيدي المرسي أبا العباس دخل على سيدنا أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهما في أواخر أيامه، وقد ضعف بصر الشيخ - حتى ذهب بعضهم إلى أنه كُفّ بصره، وقال آخرون بل ضعف ضعفاً تاماً - فقال له المرسي متعجباً: عجبتُ لك يا مولانا! ما شاء الله، تدعو لهذا فيبرأ، وتدعو لهذا فيرى، وتدعو لغيره فيرتقي، ألا تدعو لنفسك؟ فأنت ثروة لنا يا مولانا ونحن في أمس الحاجة إليك!

فقال له الشيخ أبو الحسن: "يا أبا العباس، ادنُ مني". يقول المرسي: فمسح على عيني مسحةً رأيت منها وأبصرت زمزم والشاربين، والبيت والطائفين، والحرم والعاكفين! فقلت مذهولاً: يا سيدي!

فقال: "والله يا أبا العباس، إن الله أخذ مني البصر، وضربه لي في نور البصيرة. فصرت أرى بكلِّي، حتى بثوبي هذا أرى به ".

وفي هذا المقام المهيب تتجلى أبيات العارفين الصادقة [3]:

قلوبُ العارفينَ لها عيونٌ *** ترى ما لا يراهُ الناظرونَا

وألسنةٌ تُهَمْهِمُ في كلامٍ *** تغيبُ عن الكرامِ الكاتبينَا

وأجنحةٌ تطيرُ بغيرِ ريشٍ *** إلى ملكوتِ ربِّ العالمينَا

أجل، إن قلوب العارفين لها عيون! وهل للقلوب أعين؟ بلى والله، ألم تقرأ قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]؟ فمن أخطر ما يكون على المرء أن يغفل لسانه فيعمى قلبه. وإذا اشتغل لسانك بذكر الله، استنار قلبك، فرأى بنور ربك ما خفي عن أصحاب النظرة القاصرة.

طريق الإحسان وسلاسل الامتحان

ومما يجب أن يُعلم، أن من عباد الله من يُساق إلى ذكر الله وطاعته بسياط الامتحان. وكما يُقال: "من لم يأتى إلينا بطوائف الإحسان، أتينا به بسلاسل الامتحان". فانظر لنفسك، هل تريد أن تأتي بالرفق والإحسان، أم نأتيك جبراً وامتحاناً؟ فنحن في كل الأحوال لن نتركك فريسة لإبليس، وسنأتي بك إلينا، فامشِ معنا طوعاً؛ لتنال تلك المكانة التي أشار إليها الأثر الشائع: "عبدي أطعني تكن عبداً ربانياً تقول للشيء كن فيكون" [4].

ولله در الإنسان! ألا ليت شعري كيف تنقاد له الدنيا متى اصطلح مع خالقه! فيا لعجب المرء حين يتصالح مع سيده ومولاه، كيف تُقضى له المصالح وتتيسر له السبل، الله الله يا صاح! وفي هذا يقول جل شأنه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]. بركات! ويا ليتها بركة واحدة، فحين تأتي البركه من الفتحة السماوية، تنتهي كل الهموم والأوصاب. بيد أن النفسانية الأبية، وحُجب الغفلة، والانشغال بغير الله، أوهمتنا أننا قد ننال ما عند الله بغير رضاه. ويا عباد الله، لا يُنال ما عند الله أبداً إلا برضاه، فليس لأحدٍ عنده حقٌّ مفروض. فمن عباد الله من يذكرهم ليذكروه، ومنهم من يذكرهم فيذكروه، وهم الذين قاموا بلطائف الإحسان، كأولئك الذين شملهم قوله تعالى: {فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ}.

ويأتيك نداء الحضرة العلية لكل مُعرضٍ مستكبر مستأنفٍ ليوقظه من غفلته قائلاً:

أيها المعرض عنا ، إن إعراضك منا ، لو أردناك جعلنا كل ما فيك يردنا

لو أردناك ، لجعلنا كل ذرةٍ فيك تريدنا وتتوق إلينا. ووالله، لو أردناك حق الإرادة، لما استطعت إلى النوم سبيلاً! هل لك أن تتساءل: لِمَ تنام وتغفل؟ إنما تنام لأننا لم نُرد إيقاظك ولم نأذن لك بعد! فاعلم أن ذكرك موقوفٌ على أن يُفتح لك بابه ويُؤذن لك فيه، {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ}.

كرمٌ إلهي وبسطٌ للرحمات

ألا فلتنظر بعين بصيرتك، ولتتأمل كيف يكون موطن المحبة، وما أروعه من مقام! يتجلى ذلك في الحديث القدسي العظيم (المتفق عليه؛ أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما): «ومن أتاني يمشي، أتيته هرولا». فمن يأتينا ماشياً، نأتيه نحن مهرولين! ويقول سبحانه في ذات الحديث: «وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً»، فالجمائل لا تضيع في ساحتهم ولا تُنسى مكارمهم، «وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولا».

ولك أن تتعجب من سعة الرحمة في الحديث الآخر (أخرجه مسلم في صحيحه): «إن الله عز وجل يبسط يده بالليل...». هل تفكرت من الذي يبسط يده؟ إنه الحق المبين، القاضي، الملك! لا إله إلا الملك الذي يمد يده للمجرم ليتوب! سبحان الله! «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار»، فإن لم يأتِ بالنهار؟ يبسطها مرة أخرى: «ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». ومتى يكون هذا؟ أفي ليلة القدر فقط؟ كلا، بل هو قانون إلهي مستمر يومياً، «حتى تطلع الشمس من مغربها». أي حنان وعطف هذا يا رب؟!

لقد قلت لكم مراراً وتكراراً: إن لنا رباً كريماً، إذا غفلنا لا يغفل. تخيل يا أخي أن مذكورك الذي تذكره، حين تنساه لا ينساك، وحين تعصاه لا يفضحك، وحين تحتاج إليه تلقاه، وحين تناديه وأنت عاصيه، يقول لك: لبيك! تجده ناظراً إليك، يبسط يده إليك بالرحمة، فتعرض عنه، فلا يزداد على إعراضك هذا إلا زيادة في البسط! لا يقبض يده عمن دعاه، ولا يحرم من عطائه من عصاه، ولا يخلق الله فاهاً ثم ينسى أن يرزقه أو ينسى الاستجابة لدعائه، سبحانه وتعالى عما يشركون. والحمد لله رب العالمين.

المصادر والمراجع (للاقتباسات والأحاديث المفصلة التي وردت في النص):

​[1] الحديث المرفوع: «أولياء الله الذين إذا رؤوا ذكر الله»، أخرجه الإمام أبو بكر البزار (المتوفى سنة 292 هـ)، صاحب المسند الشهير "البحر الزخار"، في (مسنده) (ج 11/ ص 205). وأورده الحافظ ابن كثير (عماد الدين، المتوفى سنة 774 هـ)، صاحب "تفسير القرآن العظيم"، وصححه المحدثون بمجموع طرقه.

​[2] النص المناجى: "اللهم إنها عوائد كرامتك..."، هو من أوراد الإمام أبي الحسن الشاذلي (تقي الدين، المتوفى سنة 656 هـ)، مؤسس الطريقة الشاذلية وأحد أكابر العارفين في القرن السابع الهجري، وتلميذه الإمام أبو العباس المرسي (شهاب الدين، المتوفى سنة 685 هـ) وهو "قطب الإسكندرية" ومن شيوخ المذهب المالكي علماً وعملاً.

​[3] أصل حديث "عبدي أطعني...":

​أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (أحمد بن عبد الله، المتوفى سنة 430 هـ)، الملقب بـ "محدث الدنيا" وصاحب كتاب "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء"، في (الجزء العاشر، ص 383).

​وذكره الإمام إسماعيل حقي البروسوي (المتوفى سنة 1137 هـ)، صاحب التفسير الشهير "روح البيان"، وهو من أئمة التفسير والإشارة.

​ويشهد لمعناه في الصحيح ما رواه الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (محيي الدين، المتوفى سنة 676 هـ)، "محرر المذهب الشافعي" وعموده، في كتابه "الأربعين النووية" نقلاً عن صحيح البخاري (الإمام محمد بن إسماعيل، المتوفى سنة 256 هـ)، وهو "أمير المؤمنين في الحديث"، في قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه: «فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به..».

​[4] الأبيات الشعرية: "قلوب العارفين لها عيون.."، تنسب للشيخ الحسين بن منصور الحلاج (المتوفى سنة 309 هـ)، وأوردها الإمام أبو حامد الغزالي (حجة الإسلام، المتوفى سنة 505 هـ)، "مجدد القرن الخامس الهجري" وصاحب "إحياء علوم الدين"، في سياق شرح أحوال المكاشفة والبصيرة.