بقلم: الشيخ جابر بغدادي
مَقَامُكَ حَيْثُ أَقَامَكَ.. فِقْهُ السَّيْرِ بَيْنَ ظِلَالِ التَّجْرِيدِ وَهَجِيرِ الأَسْبَابِ
مَقَامُكَ حَيْثُ أَقَامَكَ.. فِقْهُ السَّيْرِ بَيْنَ ظِلَالِ التَّجْرِيدِ وَهَجِيرِ الأَسْبَابِ
مَقَامُكَ حَيْثُ أَقَامَكَ: فقهُ السيرِ بَيْنَ عَالَمَيِ التَّجْرِيدِ وَالأَسْبَابِ (صياغة أدبية لحديث الشيخ جابر بغدادي)
يقول الإمام العارف بالله، تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري (1) - نفع الله به - حكمته الكبرى التي تُعد ميزاناً للقلوب السائرة إلى الله، فقال:
«إرادتك التجريد مع إقامتك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك الأسباب مع إقامتك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية».
إن هذا النص ليس مجرد كلمات، بل هو دستورٌ للعبودية؛ فتركُ الأسباب مع وجوب السعي سوء أدبٍ مع الشريعة الغراء، وعدم الفقه في التجريد سوء أدبٍ مع مقام التوحيد.
مريم عليها السلام: مدرسةُ الجمعِ بين التجريدِ والسبب
لقد ضُرب لنا في سيرة السيدة البتول مريم عليها السلام أروعُ الأمثلة في ترويض النفس على هذين الدرسين العظيمين: "التجريد" و"الأسباب". فبينما كانت في محراب خلوتها، منقطعةً لربها، كانت تَرِدُ عليها آيات باهرات وعجائب ظاهرات؛ إذ {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا}، فيتساءل الإمام ونبي الله زكريا (2) - عليه السلام - في دهشةٍ وتعجب: {يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا}؟ وهي حينئذٍ في مقام "التجريد" المحض، لا سعي ولا كد، فتجيبه بلسان اليقين: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
بيد أنه لما جاء المخاض، وحملت بالكلمة من غير سبب بشري، واعتراها ما يعتري البشر من الوجد حتى قالت في نبرة استدراك وألم: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا}، والتفت قلبها برهةً لخوف أقاويل الخلق؛ هنا جاءها الأمر الإلهي ليردها إلى دائرة "السبب". قيل لها: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا}.
ألا ليت القلوب تعي هذا الأدب! فمن أطعمكِ في المحراب بغير سبب، هو ذاته الذي أمركِ بهز جذع النخلة وأنتِ في قمة الوهن؛ ليعلمكِ أن الحق سبحانه هو "المُعطي" في كلا الحالين، فإذا خفتِ من سطوة الأسباب، فهرعي إلى العمل بها امتثالاً لأمر مسببها.
إرشاد النبوة وحقيقة "أنتم أعلم بأمور دنياكم"
وفي مشهدٍ نبويٍ عظيم، نرى سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ حين دخل المدينة المنورة، فرأى القوم يعلون رؤوس النخل لتلقيحه (تأبيره) طلباً لزيادة الثمر، فقال لهم بلسان من أُقيم في أعلى مقامات التجريد: «ما أظن يغني ذلك شيئاً».
وهنا نلمح نكتةً بلاغية وعقدية؛ فالصحابة حين سمعوا قوله، تركوا التلقيح، فلم يثمر نخلهم في ذلك العام (صار شيصاً). فلما عادوا إليه يشكون، قال لهم كلمته المشهورة: «أنتُم أعلَمُ بأمرِ دُنياكُم» (3).
إن النبي ﷺ كان مقيماً في دائرة "التجريد" المطلق، وحين نظر إليهم وجدهم يعتمدون بقلوبهم على "اللقاح" ويظنون أن النخل يعطي بسبب اللقاح ذاته، فغابت عنهم "الهمة العلية". أراد النبي ﷺ أن يرد هِممهم إلى الله؛ فمن الذي أنبت أول ثمرة على وجه الأرض قبل وجود ذكر وأنثى من النخل؟ ومن الذي أودع في هذا اللقاح سره؟ إنه الله.
لقد سقطت ثمارهم لأنهم حين تركوا اللقاح أو فعلوه، كان اعتمادهم على "السبب" لا على "رب السبب". فالمطلوب هو "عقل الناقة" مع "التوكل"؛ فالعقل سبب، والتوكل مسبب، ولا يغني أحدهما عن الآخر في مقام العبودية.
فتنة الأسباب والشهوة الخفية
كم من امرأةٍ تعلقت بآمال الشفاء من عقمها فظلت حبيسة "الدواء" و"الطبيب"، وكم من مريضٍ أجهد نفسه في البحث عن "أمهر الأطباء" وهو يغفل عن "الشافي".
يُحكى في تراث العارفين أن رجلاً شكا وجعاً في أسنانه، فأرشده شيخه إلى دواءٍ، فاستعمله بإذن الشيخ وتوكله على الله، فبرئ في الحال. فلما عاد إليه الوجع مرة أخرى، هرع الرجل إلى الدواء ذاته مباشرةً دون الالتفات إلى الله، فزاد ألمه أضعافاً! فلما سأل عن السر، قيل له: "في المرة الأولى لجأتَ إليه (إلى الله) بي (بالسبب المأذون فيه)، وفي المرة الثانية لجأتَ إليه به (بالسبب مجرداً)، فوكلك الله إلى السبب".
إن الله يجهد المرء بالأسباب إذا ركن إليها؛ فإذا استغرقت في التفكير: "من أين؟" و"كيف سيكفي المرتب؟" و"هل هذا الطبيب أشطر من ذاك؟"، فاعلم أنك سقطت في أتون التعب. خذ بالسبب كأنه كل شيء، وتوكل على الله كأن السبب ليس بشيء.
الخاتمة: ميزانُ القبول
فيا أيها السالك، إن إرادتك التجريد (ترك العمل والدنيا) بينما أقامك الله في الأسباب (العمل والمسؤولية) هي "شهوة خفية" تطلب فيها الراحة لنفسك تحت ستار الدين. وإن إرادتك الأسباب (الانشغال بالدنيا) بينما أقامك الله في التجريد (هيأ لك أسباب الكفاية لفرغك لذكره) هي "انحطاط في الهمة".
فاجعل قلبك معلقاً بمولاه، وأقدامك تسعى في أرضه، ولا تكن ممن يجهدهم قلق الرزق، بل ممن يطمئنهم عهد الرزاق.
المراجع والتحقيقات التراثية
(1) ابن عطاء الله السكندري: هو الإمام العلامة الفقيه المالكي والقطب الصوفي، تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندري (توفي سنة 709 هـ). يُعد من كبار أئمة الطريقة الشاذلية، وكتابه "الحكم" يُعد من أجمع ما كُتب في تزكية النفوس ومعارف القلوب، وقد تلقتها الأمة بالقبول شرحاً وتدريساً عبر القرون.
(2) الإمام ونبي الله زكريا عليه السلام: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل، كان كافلاً للسيدة مريم، ومحرابها هو المكان الذي كان يزوره فيه، وقد ذكر القرآن قصته في سورتي آل عمران ومريم.
(3) حديث تأبير النخل: ورد في "صحيح مسلم" من حديث رافع بن خديج، ومن حديث أنس، ومن حديث عائشة رضي الله عنهم. واللفظ المذكور: "أنتُم أعلمُ بأمرِ دُنياكم" هو جزء من حديث طويل أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأي، حديث رقم 2363).
ملاحق المصادر والاستشهادات
رقم (1): متن الحكمة العطائية:
ورد النص في مطلع كتاب "الحكم العطائية" لابن عطاء الله السكندري، وهو أصل من أصول التربية والسلوك.
رقم (2): استشهاد حديث "اعقلها وتوكل":
أخرجه الإمام الترمذي في "سننه" (كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، حديث رقم 2517) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل». وهو حديث حسن مشهور له شواهد تقويه، ولا يلتفت لتضعيف من شذ من المتأخرين.
رقم (3): قصة المريض والدواء:
هذه القصة من المأثورات التي يرويها أرباب السلوك للدلالة على "فقه الاعتماد"، وهي مندرجة تحت أصول الشريعة في ذم الركون إلى الأسباب دون مسببها، ولها أصل في كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي (ت 505 هـ) في كتاب التوكل، حيث ذكر ما يشابهها في أحوال الأنبياء والصالحين.
