Islamic geometric pattern background
العودة إلى المقالات
سر الطمأنينة: من أسرار التوكل على المُفَرِّج ورزق الطير
سر الطمأنينة: من أسرار التوكل على المُفَرِّج ورزق الطير
شرح أسماء الله الحسنى 2 دقيقة قراءة

بقلم: الشيخ جابر بغدادي

سر الطمأنينة: من أسرار التوكل على المُفَرِّج ورزق الطير

هل ضاقت بك الأسباب واستبد بك القلق على الرزق؟ في رحاب "حي على الوداد" بقلب القاهرة، يأخذنا د. جابر بغدادي في رحلة إيمانية كاشفة لأسرار اسم الله "الرزاق". يغوص المقال في بلاغة القرآن وحال الصالحين والصحابه كخباب بن الأرت، ليعلمنا كيف نحلق بأجنحة التوكل كطير السماء. اكتشف الفرق بين السعي بالسبب واليقين في المُسبّب، واعرف لماذا أقسم الله برزقك كما أقسم بنطقك. اقرأ المقال الآن لتستعيد طمأنينة قلبك وتدرك سر "حق التوكل" الذي يفتح مغاليق الأبواب.

سر الطمأنينة: من أسرار التوكل على المُفَرِّج ورزق الطير

​حينما تتعطل الأسباب بأسرها، وتضيق السبل بما رحبت، فليس لك ملاذٌ إلا أن تلهج بكلمة واحدة خالصة: "يا رب". فإياك ثم إياك أن تستعظم بليتك وتظنها تفوق سابغ لطف الله عز وجل، ولا تستبطئنّ مجيء الفرج؛ فإن تفريج الكروب على الله هيّن يسير، بيد أنه يتنزل في الوقت الذي يقدره سبحانه بحكمته البالغة، لا في الوقت الذي نستعجله نحن.

​ولنا أن نتدبر، في هذا المقام، ما جرى للصحابي الجليل خباب بن الأرت؟ لقد كُوي هذا الصابر بجمر النار على أم رأسه من امرأة كانت قد ابتاعته، فكانت تأتي بكير النار المستعر وتضعه على دماغه إمعاناً في تعذيبه. وفي خضم هذه المحنة، مرّ به النبي صلى الله عليه وسلم، وخباب قابع في حفرته يُفعل به هذا العذاب المهين، وكان بصحبة النبي يومئذ ثلة من أصحابه الكرام. فما كان من خباب، أمام زلزلة هذا الابتلاء، إلا أن تفوه بكلمة واحدة قائلاً في رجاء واستعطاف: "يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟".

​وهنا، تجلت المعاتبة النبوية الكريمة والتوجيه الأكمل؛ ذلك التوجيه الباهر الذي ارتقى بكمال خباب ليسوقه صعداً نحو الكمال المحمدي. فماذا قال له المعلم الأول؟ لقد قال مُقسماً: "والله يا خباب، لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ فَيُحْفَرُ لَهُ حُفْرَةٌ، ثُمَّ يُؤْتَى بِأَمْشَاطٍ مِنْ الْحَدِيدِ فَيُفْصَلُ مَا دُونَ لَحْمِهِ عَنْ عَظْمِهِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُشَقُّ بِالْمِنْشَارِ نِصْفَيْنِ، لَا يَرُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِ اللَّهِ شَيْئًا... وَالذِّئْبُ عَلَى الْغَنَمِ، وَلَكِنَّكُمْ قَوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ" (أخرجه الإمام البخاري، المتوفى سنة 256 هـ، والملقب بـ "أمير المؤمنين في الحديث"، في صحيحه، رقم الحديث: 3612).

​ألا ليتنا نتأمل بعين البصيرة! كيف كانوا ينظرون إلى هذا المشهد؟ لقد كانوا يرون الشدة واقعاً ماثلاً يقطع الأوصال. ولكن ماذا كان يرى سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل كان يرى الفرج فحسب؟ كلا، بل لقد نفذت بصيرته النورانية ليرى ما هو أبعد من الفرج؛ لقد رأى "المُفَرِّج" سبحانه وتعالى. ألم يقرأوا قول الحق تبارك وتعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ}؟ ليأتيهم الجواب الإلهي الحاسم في ساعتها، بلسماً للقلوب: {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.

​وإذا ما أمعنا النظر في واقعنا، نجد أن الجناحين اللذين وهبك الله إياهما في دنياك لتحلق بهما في سماء المعاش—سواء أكانا متمثلين في دكان تملكه، أو بيعة تبرمها، أو صفقة "شروة" تعقدها، أو دريهمات معدودة تدخرها—حذارِ أن تركن إليهما؛ فإنهما موضع خيانة إن غفلت عن المُسَبِّب. إن الذي يرزق هو الله وحده، وما هذه إلا أسباب ومظاهر. أجل، إنها أسباب محض، والاعتماد عليها بمعزل عن معرفة الله سبحانه وتعالى إنما هو خذلان يقودك إلى الخيانة والتيه.

​وتأمل معي دقة الوصف القرآني في الآية العظيمة: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ}. قد يتبادر إلى الذهن القاصر أن سبب الطيران هو الجناح، بيد أن الحقيقة تنجلي ساطعة حين تقيمها في السبب؛ ففي اللحظة التي تقبض فيها الطير جناحها وتلمه، فإنها لا تهوي ولا تسقط! هنا تدرك يقيناً أن الذي يحملها في كبد السماء هو ربك. لقد أدركت تلك الطيور أن عملية الجناح هذه ليست هي العلة الفاعلة التي تطير بها، فوكلت أمرها على الله. ولما ضمت جناحها الذي طالما ظُنت أنه سر تحليقها، ولم تسقط، أيقنت بوجدانها أن حاملها الحقيقي هو الله جل في علاه.

​إن اعتماد هذه الطيور المطلق على قوة الله في تحريك الأسباب، جعلها تتجرد من الركون التام إلى جناحها؛ فتارة تطير بجناح واحد، وتارة تقبض الجناحين، وتارة أخرى تفردهما وتبسطهما. وما هذه الحركات المتوالية إلا آيات تتجلى فيها لتريك عظيم قدرة الله عز وجل. ولهذا المعنى البديع أشار النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ" (أخرجه الإمام الترمذي، المتوفى سنة 279 هـ، الحافظ الجهبذ الإمام وصاحب "الجامع"، رقم الحديث: 2344).

​وما هو حق التوكل؟ هل لنا أن نتساءل عن كنهه؟ حق التوكل هو أن تفرد جناحك سعياً، أن تفتح دكانك، أن تأخذ الدواء أو تمتنع عنه؛ موقناً بقلبك أن هذه جميعها ليست سوى أسباب أقامك الله فيها. ويا للعجب العجاب! لم يفتك الخوف من الغد، ولا فزع الرزق، ولا هموم العيش، بأي مخلوق على وجه البسيطة إلا بهذا الإنسان؛ ذلك الكائن الذي تكفل ربه برزقه!

​ولأجل دفع هذا الضياع والوهم، تكفل الله سبحانه وتعالى بضمان الرزق وطمأنة القلوب، حتى إنه سبحانه أقسم بذاته العلية قائلاً: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}. ولما قرن سبحانه بين النطق والرزق وأوكل أحدهما بالآخر، أصبحت المعادلة يقينية لا تقبل الشك: فكلما تحرك لسانك قائلاً "أريد أن آكل"، أُطعِمت، وكلما نطق وجدانك "أريد رزقاً"، رُزقت، فضلاً منه ونعمة.