Islamic geometric pattern background
العودة إلى المقالات
تزكية، تأملات قرآنية

بقلم: الشيخ جابر بغدادي

تجليات اللطف الإلهي في مشاهد الشدة: البشائر الخمسة للفرج في ميزان أهل الله

كيف يتحول العجز المطلق إلى قوة لا تُقهر؟ وكيف تتدخل العناية الإلهية لتقلب موازين الأسباب الكونية؟ الدكتور جابر بغدادي يأخذنا فى رحلة روحانية في أعماق البشائر الخمس للفرج وسريان اسم الله "اللطيف" في أشد اللحظات قسوة، حيث تتجلى أنوار "لا حول ولا قوة إلا بالله" لتصنع حضارة التسليم.

تجليات اللطف الإلهي في مشاهد الشدة: البشائر الخمسة للفرج في ميزان أهل الله

كلما اعترض طريقك ساحرٌ، أو تجبَّر عليك ظالمٌ، أو سعت أيُّ قوةٍ غاشمةٍ لتهزم عقيدتك وتدمر إيمانك؛ ففِرَّ إلى اللهِ فوراً، ولُذْ بحماه! فإن كان الساحرُ قد استدعى عفريتَهُ وجِنَّهُ، فأنت قد استدعيتَ ربَّكَ، وهو الحيُّ الحاضرُ الذي لا يغيب. وإن كان الظالمُ قد استدعى قُوَّتَهُ وما يملكُ من قوى الأرضِ الفانية، فاستغثْ أنت باللهِ بخلوصِ العبودية؛ فإن هذه الاستغاثةَ الصادقةَ ستحركُ العنايةَ الربانية، ويفعلُ اللهُ بها أسباباً خفيةً لا تدركها عقولُ أهلِ الأرض. ألا ليتنا نتأمل قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} (القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية: 9).

​بيد أننا يجب أن نقف هنا وقفةَ تأمل؛ فما نزل هؤلاء الملائكة إلا لمعنىً دقيق، كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} (القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية: 10). لنا أن نتساءل: هل تطمئن القلوبُ برؤية الملائكة المجردة، أم بشهود عظمةِ مَنْ أنزلها سبحانه؟ إن الطمأنينة الحقيقية إنما تنبع من شهود الفعلِ واللطفِ الإلهي. الأمرُ كله من الله، النصرُ إذن لا يأتي من استغاثتك في حد ذاتها، ولا من الملائكة بأنفسهم، إنما محركُ القدرةِ ومصدرها هو الله جل جلاله، وما رأيناه نحن إلا سرُّ سريان اللطفِ الإلهي في بطنِ الشدة.

​لقد كان "الاستغاثة" هو السلاح الأول الذي تدرَّع به أهلُ بدر، فاستجاب الله لهم بنزول الملائكة. وكان هؤلاء الألف الأولون بمثابةِ بشرى واطمئنانٍ وتهدئةٍ نفسية. ثم تجلى السلاح الثاني في قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} (القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية: 11). فراحوا في سباتٍ عميق، وهذا النومُ يحمل في طياته محمدتين عظيمتين: الأولى؛ دلالةٌ قاطعةٌ على أنهم استبشروا واطمأنوا فاستراحوا، وألقوا بأحمالهم على الله. والثانية؛ دليلٌ على أن الله قهرهم بالنوم ليقوموا بعده "قومةَ الماجد"، فيحاربوا بكل قواهم. يا للمفارقة! الأعداءُ جالسون تنهشهم أفكارُ الحربِ والقلق، والمؤمنون قد أسلموا أمرهم لله، فغشيهم الأمن والسكينة.

​ثم تتوالى الألطاف، فينزل السلاح الثالث: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ}. إن السر الثاني هنا هو "المطر". جيشان يقفان وجهاً لوجه متحصنين، والموت يدنو، فتنزل قطرات المطر على المؤمنين فتطهرهم وتثبت الأرض تحت أقدامهم، وتتنزّل ذات القطرات على المشركين فتتخبطهم وتزلزلهم وتزلق أقدامهم بالوحل. يا للعجب! أليست هي قطرة الماء ذاتها؟ بلى، ولكن الله أعطاها أمراً؛ فجاءت على المؤمنين بالثبات والطهارة، وجاءت على المشركين بالطين والخبال.

​أرأيتم كيف تتصرف الأسباب حين تتلقى الأمر من الله؟! إن الاعتماد الحقيقي يجب أن يكون على ما وراء السبب، لا على السبب ذاته. فالحبة والكبسولة والقرص والفوار لا تشفي بذاتها يا ولدى؛ إنما الشافي هو الله. فلما كان اعتمادهم على الله لا على الأسباب، تحقق لهم اللطف، وتنزّل المطر، وهو ما نسميه "لطف القهر"، لطفٌ من إلهٍ "عزيزٍ حكيم". ورغم أنه تنزّل باسميه "العزيز الحكيم"، إلا أنه قد سرى فيه سريانُ أسماء الله، وتجلى فيه اسم الله "اللطيف"، الذي يخلق من المتضادات وجوداً من العدم.

ولا تعجب أن النوم كان من أسباب النصر وأن الدعاء قد ينزل الملائكه ليمدنا بقوة تفوق قوتنا.

واستدرك هنا؛ هل تأملت أعداد القوم؟ لقد كان المشركون ألفاً، فبكم أمدهم الله؟ أنزل لهم ألفاً من الملائكة، وكأنه يقول لهم: لا تحزنوا، اجلسوا أنتم وارتاحوا، فمعنا جندٌ يعرفون كيف يحصدون الأرواح. فناموا وصدّقوا واطمأنوا. نزل الماء ليوقظهم فيتوضأوا منه، بينما دبّ الرعب في قلوب المشركين. أتعلم لِمَ ارتعدت فرائص المشركين وخافوا من المطر؟ لأنهم أدركوا بفطرتهم أنه مددٌ من عند الله، ولأنهم يوقنون أن هؤلاء القوم هم جنود الله. فلما خرجوا يحاربون نور الله، خافوا وارتعبوا من قطرة ماءٍ جاءت من خزائن السماء.

​ثم يأتي التطهير الباطني: {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ}؛ فهذا المطر يبعد ويطرد رجز الشيطان، إذ قيل إن إبليس قد تمثل في صورة رجلٍ، وجعل يُحرض المشركين ويُسلطهم. فكما أنزل الله على المؤمنين ملائكة، ترك إبليس يكلم المشركين كي لا يتراجع منهم أحد. و هذا السلاح الرابع: {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ}، ليكون رباطاً يشد العزائم. فكم سلاحاً أحصينا حتى الآن؟ الاستغاثة، الملائكة، النعاس، المطر، إذهاب رجز الشيطان، والربط على القلوب.

​ثم يتجلى السلاح الأعظم، السلاح الذي يفوق كل ما سبقه، إنه "سلاح المعية" الإلهية! {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} (القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية: 12). لقد أمر الله ملائكته: اشتغلوا أنتم بتثبيت المؤمنين، واتركوا لي أمر الكافرين. فالملائكة حتى تلك اللحظة لم تضرب، ولم تقسم ظهراً، ولم تقتل أحداً؛ بل كانت مهمتهم أن يقفوا إلى جوارك يبثوا الإطمئنان ويدعون لك بالتثبيت. أما الكافرون، فقد تولى الجبار أمرهم قائلاً: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}. لم يقل للملائكة "وألقوا"، بل تكفل بها بنفسه؛ لأن سلاح "الرعب" لا تملكه الملائكة، بل هو من تدبير مقلب القلوب سبحانه. هو وحده القادر على أن يجعل الشجاع المغوار يموت من فرط الخوف!

​في غزوة بدر، حارب الله بسيف الرعب، وأمر الملائكة أن تحارب بسيف الطمأنينة. {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}. ولكن، لمَ حدد الحق تبارك وتعالى مواطن الضرب بدقة متناهية؟ لقد فعل ذلك لكي يميز النبي -صلى الله عليه وسلم- بين قتيل الملائكة وقتيل البدريين.

​هذا كله، حين تقرأه، تدرك أن الاسم الأعظم الذي لم يُذكر صراحة في هذا المشهد هو اسم الله "اللطيف". إنه سريان اللطف الإلهي الذي استجلب واستنزل كل هذا من السماء بمجرد أن قالوا: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}. لقد استدعوا قوة "عزيز حكيم".

​فيا ولدى، إن درس بدر كله هو تعليمٌ عمليٌّ لمعنى: "لا حول ولا قوة إلا بالله" (1). إن هذه الكلمة ليست مجرد حروف تُنطق، بل هي استنزالٌ لأنوارٍ مدرار، وسرُّ سريانٍ لكنز من كنوز العرش في مشهد حياةٍ وحربٍ هي الأعظم، حتى سُمي ذلك اليوم بـ "يوم الفرقان". لقد تحقق الفرقان لجماعةٍ أيقنوا وعاشوا حقيقة أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

​ألا ليت هذا الدرس وهذا المشهد تتوارثه وتتعلمه الأجيال والأمم! ليتنا نعيش في "حضارة التسليم"، ونرتقي في درجات الاعتماد على الله. ليتنا نعيش في مشهد الجمع بين الأخذ بالمُسَبِّب جل جلاله، مع الأخذ بالأسباب على سبيل التفضل والعبادة. ليتنا نسمو بهذا السمو الروحاني إلى موطنٍ لا نرى فيه إلا حقيقة: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ}.

​إن "المتلفت لا يصل"؛ فلو أن الصحابة -رضوان الله عليهم- انشغلوا وتلخموا برؤية الملائكة، وقالوا لهم: "تفضلوا أنتم بالقتال وسنتفرج نحن على ما ستفعلونه بهم"، لضاع السر وانشغلوا عن المُنعم بالنِعمة. لكنهم مضوا قُدماً فيما أقامه الله فيهم من صدق العبودية وصدق اللقاء. لقد جسدوا المقولة الخالدة التي نطق بها لسان حالهم ومقالهم: "صبرٌ عند الحرب، صدقٌ عند اللقاء" (2). هذا هو الصدق في اللقاء؛ ألا يلتفتوا حتى للملائكة، بل تتجه قلوبهم خالصةً للحي القيوم الذي بيده ملكوت كل شيء.

​المراجع والمصادر التراثية:

​(1) حديث "لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز الجنة": متفق عليه. أخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (أمير المؤمنين في الحديث، المتوفى 256 هـ) في "صحيحه"، كتاب الدعوات، باب قول لا حول ولا قوة إلا بالله. وأخرجه الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري (إمام المحدثين، المتوفى 261 هـ) في "صحيحه"، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار.

(2) مقولة "صبر عند الحرب، صدق عند اللقاء": أصل هذه المقولة مأخوذ من كلمة الصحابي الجليل سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -رضي الله عنه- (سيد الأوس، وأحد كبار سادات الأنصار الذي اهتز لموته عرش الرحمن، المتوفى 5 هـ). قالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر مبايعاً: "فصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت.. إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء". المصدر: السيرة النبوية لابن هشام (أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري، إمام أهل السير والمغازي، المتوفى 213 هـ)، الجزء الأول، ص 615، طبعة مكتبة مصطفى البابي الحلبي.