Islamic geometric pattern background
العودة إلى المقالات
تزكيه وتفسير قرانى4 دقيقة قراءة

بقلم: الشيخ جابر بغدادي

أسرار اللطف الخفي: كيف ينقلب البلاء إلى عين العطاء في قصة يوسف؟

يتناول الدكتور جابر بغدادي في هذا المقال الروحاني أسرار اللطف الإلهي، وكيف يكون البلاء عين العطاء، من خلال تأملات عميقة في سورة يوسف، موضحاً حكمة الله الخفية في المنع والعطاء.

أسرار اللطف الخفي: كيف ينقلب البلاء إلى عين العطاء في قصة يوسف؟

يا ولدي، أصِخْ السمع لهذه الكلمة النورانية، واجعلها لك سلوى في كل محنة، وعزاءً في كل بلية تنزل بك، وفي كل أمنية حُرمت منها وكنت دائم الإلحاح على الله فيها بالدعاء، ردد بيقين العارفين: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾⁽¹⁾.

​وما معنى هذا اللطف المبذول ببساطة الأفهام؟ إنما معناه أن المولى -جل جلاله- يفعل ما يريد، ويمضي مشيئته في خلقه، ولا يكون فِعله ومشيئته محض اجتراءٍ على الناس أو تعدياً على إراداتهم ومُراداتهم؛ حاشا لله! بل إنما يُجري أقداره بعلم محيط وحكمة بالغة، مصداقاً لختام الآية: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.

​ولك في وقائع الحياة شواهد يا ولدي؛ فإذا ما ذهبت لتطالع نتيجتك في الجامعة، ووجدت أن النتيجة قد جاءت على عكس توقعاتك وآمالك في المذاكرة، فبادر إلى تسكين منازع نفسك وقل بلسان الراضي: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وأول ما تكون راغباً في أن تُرزق بولد ذكر، فيأتيك قضاء الله بأن يهبك بنتاً أنثى، فعلى الفور وعلى طول الخط، بماذا تَرُدُّ جَموح نفسك؟ تردها بنداء الإيمان: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.

​تأمل يا ولدي قصة نبي الله يوسف، ذاك العبد الصالح الذي عاش قرابة ثلاثين عاماً يتقلب في متواليات من البلايا؛ يُنتزع من حضن أبيه النبي الكريم عُنوةً، ثم يُرمى في غياهب الجب وحيداً. ورغم ذلك كله، كان يرى أن هذه الابتلاءات إنما هي من ألطاف الله الخفية. انظروا وتأملوا كيف يتجلى فضل الله حين يكشف للإنسان عن أسرار الحكمة! وخذوا بالكم واعلموا، لِمَ كان كل هذا الثبات؟ إنما كان ذلك لأن يوسف -عليه السلام- كان له في أول المشوار "شيخٌ" ومُربٍّ، أخذ بيده وألقى في رُوعه مفتاح النجاة، حيث قال له: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾⁽²⁾.

​أرأيتم أثر هاتين الكلمتين؟ لقد افترق التلميذ عن أستاذه، ولم يتقابلا مرة ثانية من ساعتها. وأين ذهبت الأيام؟ مضت قرابة ثلاثين سنة، عاشها يوسف بعد ذلك متسلحاً بهذا اليقين؛ يرى ويشاهد بقلبه مراحل البلايا المتعددة، ويرتقي في معارج المنح، ويشهد مواطن المنّ وشدائد المحن، وقد قابلها كلها بنظارة نورانية تتلخص في أن ربك عليم حكيم.

​فلما أذن الله باللقاء واجتمع بسيدنا يعقوب -عليه السلام-، قام الابن البار برد بضاعة اليقين إلى أستاذه، فقال: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. هناك في البداية خصه أبوه بالخطاب فقال: "إن ربك"، لأن ذلك مقام الأستاذ الذي يُعلِّم تلميذه. أما هنا عند اللقاء، فلما جاء يوسف ليردها، منعه كمال أدبه أن يخاطب أباه بقوله "إن ربك"، بل قال متأدباً في حضرة مربيه: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾.

​ولعلك تستشرف الحكمة وتسأل: كيف يتنزل عليه الوحي والأُنس الإلهي وهو لا يزال في حضن أبيه؟ لقد أراد الحق سبحانه أن يُري الناس ويُعلمهم أن هذا الثبات لم يكن مجرد كلام لقنه إياه يعقوب فحسب، بل هو اصطفاء رباني مباشر. تعالوا نتأمل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۖ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾⁽³⁾. انظر إلى سرعة الإغاثة في قوله "وأوحينا"؛ لقد جاءت على الفور بواو العطف، ليتعطف الوحي الإلهي على المحنة في قاع الجب في ذات اللحظة.

​ثم تتابعت فصول البلاء؛ حيث بيع بأبخس الأثمان، كما قصّ القرآن: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾⁽⁴⁾. ولكن، من الذي اشتراه؟ انظروا أين ذهب واستقر به المطاف؟ لقد رأيتم كيف انتهت الحكاية العجيبة! ولأجل هذا التجلي العظيم، أشار أئمة العرفان إلى أن الاسم الإلهي الذي فُتِح به على نبي الله يوسف -عليه السلام- هو اسم الله "العزيز". فبهذا السر العزيز، تحولت البلية في عينه إلى عطية ومِنحة. ولهذا فاض قلبه بمناجاة العارفين الشاكرين، فهتف داعياً: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾⁽⁵⁾.

​لذا يا ولدي، أيقنْ أن ما قضاه الله وأمضاه بلطفه الخفي عليك، لم يكن قط جبروتاً أو تعدياً؛ لا والله، إنما كان محض علم وحكمة. فالله سبحانه الخبير بقلوب خلقه، يرزق ويمنع لِما يُصلحهم، وهو ما يتجلى فيما رواه أئمة الأثر، كالإمام الحافظ البغوي -وهو أبو محمد الحسين بن مسعود، الملقب بـ "محيي السنة" (ت 516 هـ)- في الحديث القدسي الجليل: «إنَّ من عبادي من لا يُصلِح إيمانَه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسد ذلك عليه دينه، وإنَّ من عبادي من لا يُصلِح إيمانَه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسد ذلك عليه دينه»⁽⁶⁾. وتصديق ذلك كله يتجلى في كتاب الله حيث الحكمة الإلهية المطلقة: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾⁽⁷⁾.