أسرار الرضا والتسليم في محراب الأقدار
يا ولدي، تعال لنجلس في روضة من رياض التزكية، ولنمسح على قلبك الموجوع بكلمات شافية، ونستظل بظل حكمة أشرقت من مشكاة العارف بالله، سيدي تاج الدين بن عطاء الله السكندري (ت 709 هـ)، حين قال كطبيب يداوي أدواء النفوس: "سَوَابِقُ الهِمَمِ لا تَخْرِقُ أَسْوَارَ الأَقْدَارِ"[1].
يا ولدي، إن كنت تظن أنك بحرقة قلبك وشدة عزيمتك ستغير ما قُضي في الأزل، فأنت ترهق روحك. إن هذه الحكمة هي تأديبٌ ربانيٌ راقٍ لأصحاب الأسباب ليقبلوا النتائج برضا المحب، وهي عزاءٌ وتسليةٌ لقلوب أهل التجريد الذين تركوا الأسباب ليرتموا في أحضان المسبب جل جلاله.
لتكن لك في ساداتنا من الأنبياء أسوة في مقامات العشق والتسليم. انظر بقلبك إلى نبي الله يعقوب عليه السلام؛ هل قدرت همته وحزنه ودموعه ومناجاته أن تعيد يوسف في التو واللحظة؟ لقد بكى وتضرع، وكانت همته تضاهي الجبال، ولكنه سبحانه وتعالى سقاه كأس الصبر حتى أذن بالفرج في الوقت الذي رتَّبه هو، لا في الوقت الذي استعجله قلب الأب المكلوم.
وتأمل يا ولدي أدب المُحِب المتمكن، سيدنا يوسف عليه السلام، حين رُفعت له الحجب وقرأ سطور القدر، فلم يقل: لقد ظلمني إخوتي وضاع عمري في السجن! بل قال بلسان الراضي عن الله الممتن بلطفه: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [سورة يوسف: 100]. يا لروعة هذا القلب حين يفقه عن الله! ويا لجمال هذا اللسان حين يترجم عن يقين التسليم قائلاً: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ}. ألم يكن ليوسف همةٌ يدعو بها: يا رب ردني إلى أبي؟ بلى، ولكن لعل الله ثبّت فؤاديهما تأدباً في حضرة التسليم.
وتعال يا ولدي ننتقل بركاب الروح إلى الحديبية، حيث يقف الحبيب المصطفى ﷺ. هو صاحب الهمة التي لو توجهت إلى الجبال لدكتها، ولكنه وقف ساكناً راضياً أمام أسوار الأقدار. مُنع من الطواف، ومُنع من البيت، فهل غضب؟ هل دعا عليهم أن تبتلعهم الأرض؟ لا، بل تجلى أدب النبوة مع الله. لعل الله أراد أن يستنقذ جنيناً في بطن أمه، أو لعلها حرمة البيت الحرام. ولما تجلى هذا الرضا الكامل، فاض العطاء الإلهي وهو راجع للمدينة في يوم "المَنْع"، لينزل عليه أبهى أوسمة "المَنْح": {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}.
يا ولدي، لا تكن ممن يأمرون الله حاشاه، بل كن ممن يتسولون على أبوابه. يقول سيدي الإمام الحسن البصري (ت 110 هـ) لقومٍ تعجلوا الإجابة: "أنتم تدعون من لا تعرفون! إنكم تأمرونه ولا تدعونه"[2]. أهل الله حقاً يتضرعون، يبكون، يرجون، وهم يعلمون أن دعاءهم ما هو إلا سبب للتذلل، لعل الله بلطفه يعطف عليهم.
غيِّر من نفسك يا ولدي لتنال الرضا: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. وإياك أن تعبده ليعطيك، بل اعبده ليرضى عنك، فوالله إن رضي عنك، أدهشك بكامن عطائه.
الشيخ جابر بغدادي
