Islamic geometric pattern background
العودة إلى صفحة الشريعة
فقه الأخذ بالأسباب

الشريعة الغراء وفقه الأخذ بالأسباب: بين العمل الواجب والاعتماد القلبي

تفصيل فقهي بديع يوازن بين التكليف الشرعي بالعمل والأخذ بالأسباب، وبين النهي عن الركون إليها، مع تسليط الضوء على فقه الدعاء وصلاة الاستسقاء كأسباب شرعية تُتخذ دون أمرٍ على الله.

​يا ولدي، إن شريعتنا الإسلامية السمحة جاءت حاكمةً وموجهةً لحركة الإنسان في الأرض. ومن أدق أبواب الفقه التي تحتاج إلى فقهٍ نافذ، هو "فقه الأخذ بالأسباب". فالشريعة لم تأمرنا بالبطالة أو التواكل، بل أمرتنا بالسعي واستعمال الأسباب. ولكنها في الوقت ذاته، ضبطت هذا الاستعمال بضابط قلبي دقيق، لئلا يطغى السبب على المُسَبِّب.

​فحين نستقرئ القاعدة الذهبية: "سَوَابِقُ الهِمَمِ لا تَخْرِقُ أَسْوَارَ الأَقْدَارِ"، نجد أن الشريعة تُلزمك بالعمل. ففي باب فقه النكاح وفقه البيوع والزراعة، أنت مُطالب شرعاً بالسعي. يعلمنا القرآن في سورة الواقعة أحكاماً فقهية في استعمال الأسباب؛ فالله تعالى يقول: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ}، فالحرث وإلقاء البذر في الأرض هو فعلٌ وتكليف، وهو من الأسباب الشرعية والمادية المأمور بها لطلب الرزق. ولكن الفقه الصحيح يُحتم عليك أن تعلم أن الإنبات ليس من شأنك: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}. فالإنسان في استعمال الأسباب الفقهية كالإنجاب من خلال الزواج {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} لا يخترق أسوار الأقدار، بل يمتثل للتكليف الشرعي.

​وفي باب العبادات، شرع لنا الفقه الإسلامي "صلاة الاستسقاء" عند انقطاع المطر. نحن مأمورون شرعاً بالخروج إلى الخلاء، والتضرع، وقلب الرداء، وهذه كلها "أسباب شرعية" و"همم عالية". ولكن، هل هذه الأسباب تخرق قدر الله المنعقد؟ الجواب الفقهي الصارم: لا. فنحن نفعل كل هذه الأسباب الشرعية لكي نعيش في بلد فيه رخاء، لكن الله سبحانه بحكمته قد نعصيه فينزل علينا المطر، وقد نطيعه ونستسقي فلا ينزل المطر. فالتكليف الفقهي هنا هو "العبودية في اتخاذ السبب"، أما إنزال الماء فهو فضلٌ ومشيئة: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ}.

​وهنا نصل إلى فقه الدعاء. لقد نبهنا ساداتنا من الفقهاء والعارفين إلى أدب الدعاء المأثور. يقول الإمام والفقيه القاضي أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري (ت 110 هـ) حين سُئل في مسألة فقهية تتعلق بعدم استجابة الدعاء: "أنتم تدعون من لا تعرفون! إنكم تأمرونه ولا تدعونه"[2]. فالدعاء في الفقه الإسلامي هو إظهار للافتقار والذلة، وليس أمراً للمولى جل جلاله. فأهل الله يتخذون الدعاء سبباً شرعياً متضرعين، راجين عطفه ولطفه، مُدركين أنه ليس لهم أمرٌ عليه.

​فعليك يا ولدي أن تغير من نفسك عملاً بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [سورة الرعد: 11]، فهذا تغيير شرعي مطلوب ومقدور لك، أما تغيير الكون وإصلاح القدر، فليس من اختصاصك ولا طاقة لك به. فاعبد الله امتثالاً لأمره الفقهي التكليفي ليرضى، لا لتأمره فيُعطي.

الشيخ جابر بغدادي